انسانيات 58

 

الشاعرية

 

ذات مرة تشاجرالحمارُ والعندليب مـَن منهما أشعرُ؟! ولما إشتد الجدلُ ولا احد يستطيع إقناع الآخر برأيه إحتكما الاثنان إلى جمهورٍ من الحيوانات كانت جالسة في حضرة الأسد...

وقفُ الاسدُ بين الحُضار وأعلن عن جلسة مشاعرة تنافسية بين الحمار والعندليب، وطلب من العندليب أن يقرأ شعره على مسامع الجمهور الكريم. وبدأ العندليب بقرآءة شعره مغرّداً عواطفه النابعة من قلبٍ شاعر..ثم مكثَ حتى يعطي الدورَ لمنافسه..إذ ذاك إعتلى الحمار منصة الشعر وشَرع بقرآءة شعره ناهقاً بصوتٍ قويٍ جداً فكاد أن يزلزل الغابة زلزالاً فصفقت الحيوانات مندهشة معجبة بقدرة الحنجرة...

وعاد الدور للعندليب فغرّد ولكن ضاع صوتهُ في همهمة الحيواناتِ فلم يسمعه إلا قليلاً ثم سلّم الدور للحمار..ونهق الحمار نهيقاً عالياً فهزّ المكان هزاً فصُعقت الحيوانات صعقاً فصفقت تصفيقا..ثم أعطى الدور للعندليبِ..فغرد ولكن بلا صوت..وإستعاد الحمار المنصة ناهقاً..

بعد نهيق الحمار وقف الاسد بين يدي الجمهور وسألهم : مَن هو الأشعر؟ فصاح الجمهور المثقف من الحيواناتِ : الحمار...الحمار...

وهكذا صار الحمار الأشعر بين جميع الحيوانات...

 

 

انسانيات 57

 

الضِفدِعة الشهيدة

 

 

في أحدى ليالي الشتاء الباردة الطويلة من عهد الطفولة القديم حكى لنا جدنا عن ضفدعة عجيبة غريبة.

لقد كانتْ في بركة من برك غابات الشمال ضفدعة صغيرة منزوية منعزلية عن سائر الضفادع لكنها معروفة بدهاءها وحسن معاملتها مع الآخرين...

والمعروف عنها سوى تلك الخصال أنها كثيرة التفكير والتأمل لكن هناك شئٌ صار أكثر وضوحاً فيها وأشد غرابة بحيث جعل الضفادع من بني قومها يشككن في سلامة عقلها وتفكيرها وأما ذلك الشئ الذي دعاهن لهذا الرأي فيها هو حبها للطيران كالطيور التي تحلق في الجو متجولة في انحاء السماء غير محدودة..

لقد عتـّـقت الضفدعة فكرة الطيران كثيرا وصارت كخمرة معمرة شهية للإحتساء لكن الضفدعة المسكينة لا تعرف كيف تحقق الأمنية بينما حبها لهذا الطموح جعلها أن تكون تحت ضغط نفسي شديد، لكن هنا شيئاً واحد كان يحول بينها وبين الجنون والمرض لما حصل لديها من خيبة وعدم نجاح بارزان بعد خوضها عدة محاولات ،وأما ذلك الشيئ الحائل دون إنكسار هو دهاءها المذكور أعلاه..

ذاتَ يومٍ كانت وكعادتها مطرقة الرأس مفكرة بتحقيق الطيران فمرت منها الريح وسمعت تسائلاتها التي طالما سمعتها وأهملتها، لكن كثرت تلك التسائلات مرة بعد مرة وأحزنت الريح كثيراً حتى أجبرتها على تقديم شئ من الحلول لتخليص الضفدعة بنحو من الانحاء من معضلتها الكبيرة ...

إقتربت الريح وهمست في اُذنها : إن الطيران يحتاج إلى عُلـُـوّ. سمعت الضفدعة الكلمة وشكرت الريح شكراً كثيراً ثم قالت في نفسها : يجب أن أتسلق الجبل لأصل نقطة مرتفعة منه ثم اُحاول الطيران...

وفعلاً تسلقت مقدراً من الجبلِ ثم ألقتْ بنفسها في اديم الافقِ وإحتضنتها الريحُ مسرورة مقبلة إياها، شعرا الاثنان بإرتياح وسعادة فائقتين وخاصة الضفدعة أنها كانتْ في نشوة لم تمر بها طيلة عمرها كله...

لكنّ عمر النشوة قصير دائماً. وسرعان ما أحستْ الضفدعة بثقل وزنها فبدأت بالهبوط السريع آناً فآنا..إقتربت من الصخور الصَلداء بقوةٍ ثم تلاشتْ أعضاءاً و وذرا...

إذ ذاك سكتَ جدي وكأنه يُدركُ إحساس الضفدعة فقال : ما هو رأيكم يا أحفادي الأعزاء هل نجحت الضفدعة أم خابتْ؟ سكتنا ولم ننبس ببنتِ شفة. فإستطرد قائلا ً: إنها نجحت في الحياة والمماتِ..فما الحياة سوى عقيدة وجهاد..وكان مماتها خير ممات لأنها ماتت شجاعة في سبيل حلمها..فإنها شهيدة بحق...

 

 

 

 

 

 

 

 

انسانيات 56

 

الخـَرْفـَنـَة

 

منذُ متى أصبحتُ أعشقُ الخِراف لا أدري! هناك شئٌ قوي يدفعني نحو هذه الكائنات فأغدو أمامهن مبتهجاً سعيداً فكأنهن يقدمن لي أكبر الثروات الروحية والمادية..وقد يكون هكذا لأني إذا إمتلكتُ عدداً منها شعرتُ بالغناء والهناء وإذا فقدتها شعرتُ بالشقاء والبلاء...

وبعد زمن تحولت هذهِ القضية إلى هاجسي الرئيس في حياتي. إن للخرافِ قدرة سحرية في إسعادي فلا بد من إمتلاكهن وبأعداد كبيرة وإن تطلب الامر عناءا ومشقتة وبلاءا ومحنة...وذاتَ مرة طرحتُ مشكلتي العويصة مع صديقٍ مقرّب لي بكل تفاصيلها وطلبت منه المساعدةَ فإن الصديق منعوتٌ لوقت الضيق..

أطرقَ الصديق رأسه مفكراً في قضيتي لوقتٍ وقال : ماذا تحصلُ مادياً من الخراف ؟ قلت : لا أحصل شيئاً منه مباشرة ولكن أعتقد بإنهن يجلبن الخير والبركة لي بشكل غير مباشر..

إذ ذاك ضحك صديقي وقال : إذاً لابد من مشروع لتربية الخراف. فقلتُ : إقتراحك صحيح جداً لكن لا أنا ولا أنت، ليس لدينا نقود ثم أن الخراف نادرة هذه الايام بسبب أنفلانزا النعاجِ...

ضحك صديقي وقال : لا تهم بإستطاعتنا أن نأتي بشتى الحيوانات وخاصة الصخول والكلاب والذئاب...ونجمعها في مكانٍ واحد ثم نـُـلبسها صوفَ الخراف فتبدو خرافاً...هذا لأنك لاتريد منها نفعاً مادياً وتريد إمتلاكها رمزياً...الحقيقة تعجبت من دهاء صديقي لكن كنت في قليل من الريبة..فعرف صديقي بما يجول في رأسي فقال : أدري أنك تشك في نجاح الخطة لكن أنا أضمن لك نجاحها فقم لنعمل...

وعملنا فجئنا بشتى الحيوانات وألبسناها صوف الخراف و أوثقناها في أمكنة خاصة، في البداية كان العمل صعباً قليلاً لأننا واجهنا مشكلة أكلهن لكن سرعان ما تعودنا على إطعام الخراف ،ومشي المشروع موفقاً ،لأنني بوركت بركة عظيمة وأصبحتُ بوجود الكم الكبير من الخراف نبيلاً ثرياً ذا سمعة ومكانة في المدينة...فآمنت كل الايمان بالخراف وبالخرفنة..!!

 

 

 

 

 

انسانيات 55

الوظيفة

 

 

كنتُ في زمنٍ أذهب إلى خارج المدينة للتنفسِ والتزود بقدرة الطبيعة الروحيةِ فأمرَ بالسهل ثم بالغابة وأصل بحيرة فأجلسُ على صخرة كبيرة على حافتها واُحملقُ فيها كأنها وجه إمرأة جميلة تشاهدني واشاهدها تسمعني واسمعها..ويجوز أن تقول تحبني واُحبها..فأنا كنتُ وحيداً روحياً ولما آنست وحشتي جعلتها قرينة روحي التي تفهم مشاعري وتجيبُ نداءات روحي...

البحيرة أمستْ نصف روحي المتحولة إلى كم كبيرة من المياه. لكن لم تدم عشرتي او عشقي مع البحيرة وحدثت اُمور جعلتني أن أترك المدينة الى غيرها رغم ارادتي. فمضتْ سنون وأنا بعيدٌ عن عشيقتي الحنينة الصافية...كان الفراق صعباً وبمرور الايام يصير أصعب ،حتى وصل زمنٌ لا أطيقه أصلا فحزمتُ شنطتي وإتجهتُ نحو البحيرة..

وصلت مدينتي السابقةِ وخرجتُ نحو البحيرة عابراً السهل والغابة، لكن لما وصلتُ ذلك المكان صُعقتُ بعدم وجود البحيرة..أنها يبست تماماً ولا ترى غير صحراء شاسعة واسعة يهب الريح عليها فيراقص الاشواك والرمال...

جلستُ على صخرتي القديمة وبكيت حتى كادت تنشف عبراتي، لقد ماتت الحبيبة التي آلفت روحي الوحيدة الغريبة ..ماذا حدث لها؟ إين ذهبت كل تلك المياه..؟! كانت الدموع تتساقط مع الاسئلة وتعالى الصراخ والعويل..بينما كنتُ في تلك الحال من الصدمة والأسى شعرتُ بيدٍ تمسح على رأسي وصوتٌ حنونٌ يتحدثُ إليّ قائلا: لا تبكي يا عشيقي..لا تبكي ..أنا حبيبتك البحيرة..أنا لم أمت غير أني تحولت من شكلٍ إلى آخر وروحي هي هي. بالامسِ كانتْ لي وظيفة واليوم وظيفة اُخرى..أمسِ كنتُ بحيرة واليوم صحراءا..قديماً كنتُ أرعى الاسماك والجلابيب..واليوم أرعى العقارب والاشواك..ولا فرق بين هذا وذاك..والمهم أن نقوم بما خُوّلنا بهِ بأفضل نحو...

إذ ذاك تنفستُ الصعداء وضحكتُ ضحكة فرحٍ وقفزت من مكاني راكضاً في الصحراء معانقاً إياها كعاشق يعانق عشيقته فحلفتُ لها أن لا اتركها أبداً...فرجعت الى المدينة ومذ ذلك وانا يومياً أجلس على الصخرة القديمة واُغازل حبيبتي الصحراء وتغازلني۰۰

انسانيات 54

الحماية

 

 

لمّا كنتُ صغيراً وكان أبي آنذاك شاباً تكتنهه مشاعر الغرور والنخوة، أذكرُ جيداً عندما اُودعه ذاهباً للمدرسة كان يقفُ وبيده عصىً أو بندقية صيد فيستوقفني في عتبة باب المنزل ويرفع صوته الذي يكاد أن يصير زئير اسد فيقول لي : إذا آذاك أحدٌ او تشاجر معاك، قل لي لاُهشم رأسه ورأسَ أبيه بهذه...

مرات كثيرة أتشاجر مع أطفالٍ في الصف ويحدثُ أن اُضرب او يُسرق مني شيئاً ولكن لما أرجع للبيت لم أقل لأبي عن الموضوع شيئاً..و يجوز أن أطلعته مرة أو مرتين بهكذا امور ولكن عموماً لم أكن أرغب في إبلاغ أبي بتلك المواضيع وللآن لا أعرف ماهو السبب، ربما أني كنت أخاف من توسيع رقعة الشجارات والمشكلاتِ...

اليوم كبرتُ وكبُر أبي وأصبحت رجلاً في منتصف العمر وصار أبي شيخاً. فإذا أردتُ الخروج من المنزل اُوْدعه فيقول لي : إذهب الله معك. وكلما أسمعُ كلماته هذه أذكر تلك الكلمات في زمن شبابهِ واضحكُ رضىً لهذه الكلمات البعيدة عن النخوة والغرور والنابعة عن التواضع والتوكل على قدرة كونية تشمل الجميع برحمتها وعطفها...

 

 

 

انسانيات 53

 

 

 

لماذا إنتحر؟!

 

 

كان إبن عمي، ولم يبلغ من السنين إلا الخامسة والعشرين. كان وعائلته يقطن نفس الشارع الذي كنا ومازلنا نعيشُ فيه..في حي من أحياء الاهواز لا يبعد عن مركز المدينة سوى ثلاثة كيلومترات. في صباح باكر سمعتُ صراخاً شديداً وهرعتُ الى الشارع كما هرعت ناس كثيرة وبغتة دُهشتُ إذ أني رأيت الناس مجتمعة في باب أعمامي..

فرقت الحشد ودخلتُ وبشق النفس المنزل وأسرعت إلى إحدى الغرفِ فوجدتُ إبن عمي متدلياً من مروحة السقف بلا رمق ولا حركة ميتاً ميتا...قفزت أنا ومن كان في الغرفة نحو المروحة فأنزلناه وجلسنا نبكيه عزيزاً فارقنا فراقاً حزيناً للغاية.

بعد زمنٍ قصيرٍ أتتْ الشرطة فكتبت تقريراً عن الحادثة وأخذت الجثة للمستشفى...فبقيت في الغرفة أنا وإخوتهِ حيارى كلٌ منا يسئل الآخر عن سبب شنقه لنفسه ولكن دون جدوى فلا نستطيع الوصول إلى إجابة شافية...

تأملتُ في غرفتهِ ، كانت صورٌ من آثار تاريخية للعيلاميين ومن ضمنها كانت صورة لإمرأة شوشية على وجهها وشومٌ ،ترتدي عصابة كبيرة في نظراتها وميض الحزم والعزم...وكانت صورة لجسر ابو الهلالين مقابل طاولتهِ المغطاة بالكتب والكراسات..كان أحد الكتب مفتوحاً كأنه كان يقرأه فقلبت فوجدتهُ "أفول الاصنام" لـنيتشه وكانت كتب متناثرة إلى جنبه فدققت في عناوينهن..كانت دواوين السياب ومحمود درويش وأمل دنقل..سار نظري على الطاولة فوقع على مجموعة لـجبران خليل جبران وصورته على الغلاف..لكن كان هناك شئٌ لفت نظري وفضولي وحيرتي أكثر فلقد وجدنا صوراً لفتاة عربية سمراء كُتب تحتها الاهواز...وتحت الصور كانت مجموعة شعرية مخطوطة مهداة لتلك الفتاة..الخ..

ومكثنا كثيراً في غرفة ابن عمي سمير و وجدنا أشياءا كثيرة لكن لم نجد علة إنتحاره؟!

 

 

 

انسانيات 52

 

الحورية

 

ذاتَ يومٍ طلـّقتُ إمرأتي وأقفلتُ باب منزلي و نويتُ أن أجد لي حورية بحر أعشقها وأتزوج منها واُكوّن عائلة لي. كنتُ قد سمعتُ كثيراً من الناس بأن بنات البحر مثالٌ عالٍ في المحبة والجمال وهن إذ عشقن لا تبرد جذوة حبهن ولا يخونن و جمالهن سرمديٌ لا نهاية له فلا يعرف المشيب ولا الذبول ولا الانكسار...

 

حزمتُ أمتعتي المختصرة و إتجهتُ نحو البحر وظللتُ أياماً وليالياً أنطر مجئ بنات البحر لـأعشق واحدة منها وأطلب الزواج منها بصفتي عاشقاً لها...وبعد ايام وليال ٍفوجئتُ بمجموعة من الحوريات أتين إلى الساحل فجلسن وتحادثن ردحاً من الزمن. فجلستُ خلف صخرة وحملقتُ فيهن كثيراً حتى أحسستُ أن قلبي يميلُ نحو واحدة منهن ميلان الحبِ..فأسرعت إليهن..

 

لما أقتربتُ الحوريات تباغتن وأردن الرحيل فعرفت فناديتهن بكل حرقة و شوق طالباً منهن عدم الرحيل والاستماع إليَ.. تهامسن بينهن وكأن صوتي الحزين قد أثار فيهن عطفاً نحوي، فمكثن حتى وصلت اليهن..

 

إنبرت إحداهن وقالت : ماذا تريد منا أيها البشري..أكنا قد أسأنا إليك يوماً من الايام؟ أم أنت بحاجة إلينا؟ إذ ذاك أجبت على سؤاليها : لا يا بنات البحر أنتن لم تسئن لي لكني بحاجة إليكن. فقاطعتني قائلة ً: ماهي حاجتك يا ايها البشري بنا؟ قلتُ : أني أحببت إحداكن وأريد الزواج منها...إبتسمتْ وأجابتني : حسنٌ لكن هل اُبيدت نساءكم أنتم البشر حتى إضطررت إلى الزواج من حورية؟! قلتُ : لا ولكن أني سمعت الكثير عن وفاءكن وجمالكن وقررت الزواج من واحدة منكن.. مرة ثانية إبتسمت وقالتْ : أ أنت متزوج أم لا؟ و رددت : كنتْ متزوجاً لكنني طلقتها وجأتْ لأتزوج إحداكن..

 

إذ ذاك أطرقتْ الحورية قليلا مفكرة، فقالت : يا أيها البشري عجيبٌ أمرك، نحن بنات البحر لا نتزوجن من البشر أبداً فاقنط من هذا المرامِ، لكن لا نريد أن نخيب ظنك بنا لهذا نعقد صفقة معك، وهي إن رجعت وتزوجت مرة اُخرى من زوجتك او إي بشرية اُخرى و عشقتها عشقاً خالصاً نعدك بأن نهبها صفاتنا من الجمال والوفاء وتصبح كأنها واحدة منا ولا فرق بيننا...

 

لم تعجبني الصفقة وألححتُ...لكنها ايضاً أصرّتْ ...وبالنهاية يأستُ منها ورجعت بخفي حُنين عازماً أن أتزوج بشرية عشقاً خالصاً...واليوم مضتْ سنون عديدة وأنا اُحاول أن اُحب زوجتي حباً خالصاً فلم أنجح في ذلك ولم أربح الصفقة...