يوميات صعلوك 21

 

 

 

 

القـــُـــبلة الاُولى

 

 


اليومَ وللمرةِ الاُولى قبلتُكِ يا حبيبتي السَمراء. كان عمر القبلة ظاهراً لحظات، بينما عمرها الحقيقي ظل دُهوراً متباعدة ومتتالية من نشوةِ السماءِ والكائناتِ جميعاً. قــــــُبلـتــــُـــكِ يا حبيبتي هي سرُ الخلقِ لا غير.

 

لقد صارت القبلةُ يا حبيبتي السمراء عالماً رحباً للعشقِ لن استطيع خرقه، او الخروج منه ابداً ابدا...قبلتـــــُكِ يا حلوة، في اِعتقادي هي اكبر واعظم و اقدسُ ميثاقٍ يُعقدُ بين العاشقين...لهذا سأصون حبكِ الى نهايات الكون...

 

اليوم يا حبيبتي زرعتُ قــــُبلتـَـكِ نخلةً ثمينة فوقَ الارض الاهوازية...وكما تعلمين يا عزيزتي أن النخلة روحٌ عربية شامخة...أن قــــُـبلتــــكِ نخلة طاهرة غالية آتية من أجدادنا القدامى...من العيلاميين والمشعشعيين وبني كعب..

 

اليومَ لمْ اُقبلكِ فحسب يا عزيزتي ،بل كان ميلاد حُبٍ اهوازيٍ كبيرٍ لسوف يكون عنوانَ مجدٍ وخلودٍ للأجيال المُقبلةِ...فنحن ؛أنا وأنتِ بالحبِ سوف نُخلد الوطن...بالحب سوف نقدم الغالي والرخيص من اَجله...انا وانتِ نعشق ونــُورِّث العشق لابناءِنا وبناتنا...حتى يبقى الانسان والوطن الاهوازيين...ابداً ...ابدا...

 

 

 

 

يوميات صعلوك 20

 

 

اِبنة عمنا ؛عاطفة

 


 

كنا اَربعة أبناء عمٍ واِبنة عمٍ واحدة. كانتْ عاطفة صبيِّة رشيقة ومليحة. إذا تمشي تتمايل كعودِ البان. وكنا أطفالا نجتمع كل ضُحىً ،نفرش الظلالَ خلف مضيف جدي يبارة، ونجمع المأكولات والدُمى وننتظرها.


تفطرُ متأخرةً جداً، وتخرج من منزلهم بغنجٍ متناهٍ. كُلنا عيونٌ مراقبة لخطوات عاطفة...كلنا قلوبٌ نابضة لحضورها...تطلُّ علينا من بعيدٍ كغزالة تختالُ في وادٍ...ونفرح..نُعيـِّدُ..وتقترب مِنا، وتقترب من بيت الجيران... وتدخل!!


لم تأتنا عاطفة..! كان هذا ديدنها دوماً ،توعدنا..وتتركنا للانتظار ،ثم للغيرة والحزن، والشِجار.. ذاتَ يومٍ بعد هذا المشهد الحزين، وقد طفح كيل صبرنا، قامَ ابن عمي سعيد وركلَ السُفرة والألعاب جانباً ،وصاحَ ؛ أنها تفضل إبن جارهم ريسانَ علينا. وردَّ عليه احمد؛ نعم..حتماً هكذا ،وإستطرد عباس فتفوه مثلاً بذيئاً...


أطرقتُ رأسي متألماً وساكتاً...وسمعتُ سعيداً قال: سوف نضربها ضرباً مُبرحاً...واَيداهُ احمد..وعباس...لكني شعرتُ بمقصٍ في أمعائي، وخنقتني العبرة ؛ اَنها إبنة خالتي اَيضاً..خالتي فاطمة.. فإعترضتُ بشدة ،لكن صُددتُ...قال عباس: أنتَ جبان...وقال سعيد ؛أنتَ اِمرأة..بلا غيرة..، فقيدوا يديَّ وسجنوني في بيت الحَمام...وبكيتُ وصحتُ ، لكن دونما أية جدوى..


إنتظروها حتى خرجت من بيت الجيران. مسكها إثنان والثالث ضربها بعصىً على جانبي بطنها كثيراً وشديدا..سقطتْ عاطفة ولم تنهضْ...وتمرضتْ ولم تُشفَ..وبعد عشر سنوات توفيتْ في المحمرة اِثر مرض الكُلى..ولم يعرف سرها أحدٌ سوانا..



 

 

يوميات صعلوك 19

 




نجار الحارة



كثيراً ما كُنتُ اَمسك يد اِبني حسن ونذهب سوية الى ركن الشارع. هناك نجلس مع بعض اهل الحارة لنحتسي الشايَ والقهوةَ و نسمع اَخبار الزمانِ والمكان.



كانت متعة عصر جميلة. لكن لم تدم. فمنذ ما دشن اَحد الاقاربِ محلاً للنجارة في الحارة، عكر صفو كثيرٍ منا. وهذا حدث بسببِ؛ أنَ صاحبنا النجار، بعد فترةٍ قليلةٍ من مزاولتهِ للعمل، وجد نجارين منافسين له في الحي. وهذا ما جعل جنونه يجن.



فلما نجتمع عصراً قريباً من ورشته، يدب نحونا ويبدأ بالحديث عن تفاصيل المهنة، ثم ينفعل دفعة واحدة ويصيح؛ مَن يشتري من فلان..وعلان..النجار سوف نشطب اِسمه من قائمة القبيلة!!...ويزداد لهفاً و تزبداً وعرقا...ويقترب منا ويهمس؛ البارحة رحت وكتبت على جدران ورشتي النجارين عيوب عملهم ومثالبهم!!..الخ



لقد أصبح اَمر النجارين هاجس هذا الأخ الجنوني...فتراه ليل نهار مشغولاً بالتشويش عليهما...وتجدهُ مسعوراً بالخوفِ من رواج سوقيهما...بينما ورشته صارتْ تنحدر يوماً بعد يوم اِلى الكسادِ والخسارة...



عجزتُ و سئمتُ من نجار الحارة القريب، وتركتُ متعة العصر...وتاَملتُ في اَمره كثيراً، تُرى لِمَ هذا الحسد الجنوني الضار بالصحة قبل المهنة؟! ثم فطنتُ شيئاً آخر وهو المثقف او صاحب القلم الاهوازي...وضحكتُ .. وتأسفتُ اَسفاً شديداً...






يوميات صعلوك 18



 


الأصدقاء





كُنتُ اَمزجُ الحُبَ بالموسيقى والقهوةِ صباحَ يوم جمعةٍ شتوي. مرة واحدة قلعني من رومنسيتي رنين النقال. واِنزعجتُ كثيراً...فلقد رجمني الأخ حامد من جنتي وأضعتُ حوايَّ والنعيمَ.


قالَ تعال اِلى منزلي، فهنا الأصدقاءُ مجتمعون ويحبونَ أن يروك. حامد عزيزٌ جداً على قلبي ولا احب أن اَترك خدشاً ولو صغيراً على عاطفته..فاَضظررتُ أن اَنسى رومانسيتي المحببة بالكلية واَتجشم طريقاً باردة..



وصلتُ، فكان المضيفُ دافئاً ، وانا بارداً، و وجدتُ صديقين قديمين(فاخر وجميل) وحامداً الذي شُغلَ بتقديم القهوة العربية مرفقة بطقوسها التراثية.



من البديهي اَن تكون الحلقة مكاناً يزدهرُ فيه الكلام اَو النقاشُ وما شابه. قاطعتُ الاصدقاء بشكلٍ مُختصرٍ..أدفئتني أحضان المحبة، وشعرتُ بنارٍ اِضافية متوهجةٍ في صدورهم إثرَ النقاش المحتدم والمستمر رغم مصافحتي واِحتضاني.



صاحَ فاخر؛ نحن نريد التحرير، والتسننَ..قاطعهُ جميل بصوتٍ اَعلى؛ التحريرَ مع التشيع. اِذ ذاك اِبتسمَ حامد و وجَّه سؤاله نحوي؛ واَنتَ ماذا تقول في القضية؟ الحقيقة باغتني، و رددتُ متلعثماً؛ لا رأيَّ لي في هذا الشأنِ ،فأنا إنسان شاعرٌ وحسب.



كان كلامي بمثابة الصاعقة التي تنزلُ على الهشيم، فإزدادت الضوضاءُ لهيباً وهياجاً...مرة اُخرى هدَّأ حامدُ المجلسَ مبتسماً وقائلا: أنا أدرك مشاعركم ولقد عانيتُ من آلام الغربة في الوطن كثيراً...وتوجعتُ من هامشية الحياة اللاكريمة جداً...لكن حلنا كامنٌ في المستقبل البعيد ،حيثُ الديمقراطية وحقوق الانسان..هناك نختار، ودونما خصام مع الذات أو الآخر، كيف نبلور حياة كريمة لنا...


 

يوميات صعلوك 17





مِن ايام الصبا



كانتْ الساعة 5 فجراً، وكان الزمان شتاءاً. أظن كنت في 16 من عمري، حيثُ كنتُ في الصف الثاني من المتوسطة. لم يكن يؤذن الحاج كاظم لصلاة الصباح. ولم أتناول الفطور. اِرتديتُ ثيابي وخرجتُ من المنزل نحو المدرسة والامتحان المُبكر.


خرجتُ من الخروسي متجهاً نحو النزهة ، قبل النزهة و هي كانت قرية صغيرة و مدرسة، يجب أن اَجتاز مزرعة عويد ابي محسن ثم ملعب كرة القدم. كان البرد وكان الظلام، وهناك اشياءٌ أيضاً كانتْ مثل: الكلاب والمدمنون والحرامية.


وصلتُ النزهة، قل خوفي قليلا وشعرتُ بشئ من الأمان. وهذا طبيعيٌ جداً لان أبي يعملُ في النزهة، لكنه الآن نائم. مع هذا مجرد وجود أبٍ هنا يهدء الروع. إجتزتُ غرفتهُ وسط أشجار الطرفاء و الخروع  والسدر والکالیبتوس والنخل ..ثم اجتزت مزرعة جليل للخضروات والبئرين الكبيرين...متجهاً نحو باداد..


قبل أن أصل باداد كان بستان رجل اصفهاني لم اعد اذكر اسمه، لكن كان لبستانه ميزة وهي وجود سدرتين يثمران النبق ويهديانه لنا. عندما وصلت مدرستي في زيبا شهر ،وقت الاذان لصلاة الفجر لم يحن. و مازالت الظلمة تسود ومازالت ابواب المدرسة مُقفلة.


صليتُ الفجرَ في مسجد المهدي الواقع أمام مدرستنا وخرجتُ من المسجد لكن لم تزل المدرسة والظلمة على حالتهما. عبرتُ الشارعَ و تسلقت الجدار الهابط ،وبعد لحظاتٍ كنتُ في داخل المدرسة...وإتجهتُ مُسرعاً نحو المبنى الاول منها وحمداً للرب أنه مفتوح، فأدلفتُ الى صفنا الواقع في زاوية نحو الشارع الخلفي.


اليوم وبعد عقدين من الزمن مررت بتلك المنطقةِ وبدأتُ بالتجوال من المدرسة حتى الخروسي. دخلتُ الصفوف والشوارع و المسجد والبساتين التي لم يتبق منها سوى الذكرى. مرور الزمان يجعل الايام أحلى. وفي لحظة صرت بين الجدار الذي قفزتُ منه وبين المسجد...وتمنيتُ أن اعود الى ذلك الصباح...تمنيت وبشدة...ولكن لو رجعت ماذا كنتُ افعل؟؟!!



يوميات صعلوك 16

 




وطن و حبيبة



من الجهة الشرقية بدأنا برحلتنا الودية الترفيهية. عبرنا عدة أحياء ؛الخروسي و آخر اُسفالت و مشعلي...حتى وجدنا مكاناً مناسباً للعبِ والمرحِ على ساحل كارون.


كان الفصلُ خريفاً. وكانتْ رفيقتي عربية سمراء. ترتدي ثياباً بيضاء ناصعة اللونِ. ترجلت من السيارة، وماستْ بخفةٍ نحو المياه. هبتْ الريحُ. تمازجا الريحُ مع السمراء. كان الزمانُ عصراً اهوازياً مشمساً. تلامعتْ الثياب البيضاءُ اِثرَ اَشعة الشمس، وذابتْ سُمرة الحلوة مع حرارة الجو.



كانتْ روحها ظامئة لكارون. فقفزتْ في المياه القريبة، وركضتُ خلفها. مرة واحدة وقفتْ، واَدارتْ وجهها نحوي، غمستْ يديها في المياه، ملأتهما ماءاً ورمتني...وفعلتُ نفسَ الشئ. واستدمنا دقائقَ لكي نتذوق طعم الماء و رائحته ونضحك..



خرجتْ ذات الطول الرهيف الميَّال من المياه، وصارت تكتبُ شيئاً على الرمالِ بخطٍ كبيرٍ..اصابعها الصغار كانت تـُصعِّب الكتابة، فتعود مرات لكي تكبِّر و تعرِّض الخطَ..ومرة واحدة صاحتْ: آخ...آخ.. جُرحَ اِصبعي. لقد كانتْ زجاجة مكسورة ومدفونة في الرمال..


واستمرتْ تكتبُ و دمُها ينزفُ...فتمازج دمُها الطاهرُ النقيُ مع رمال كارون..وبعد دقائق رفعتْ رأسها وقالتْ: اِقرءْ،  فكانت قد كتبت عنواناً كبيراً؛ الاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواز...





يوميات صعلوك 15

 

 

 

 

طفلي العظيم


 

اِلى ؛عادل العابر

 


 

من البدايةِ اِشترطتُ على زوجتي ؛ إما تدرسين وإما تنجبين. لم تستطعْ أن تقرر أيهما تختار، فتركتها للأيام والسنين. وشاءتْ الأقدارُ أن تنجب. في شهر رمضان الفائتِ رُزقنا بعدةِ أشياء مباركة، من ضمنها، قدَّمتْ لنا السماءُ طفلاً جميلا.


ترددنا كثيراً في إختيار الإسم للفطل. وشاركنا في عملية التسمية الشاقة، إضافة اِلى أعضاءِ العائلة، الجيران وأعمام الطفل وعماته، وخالاته وأخواله...اِلخ .لكن بعدة فترة من الزمان تخاللتها نقاشاتٌ سهلة وعابرة واُخرى حادة وطويلة، توصلتُ اِلى أنَّ الحصول على إسمٍ يُرضي الأقارب والناسَ والتاريخ والأدب، أمرٌ غاية في الإستحالة.


ذاتَ فجرٍ أطرقتُ رأسي متأملا في نفسي والزمان والمكان...ولحظة اِنتبهتُ اِلى شئ. مَنْ أنا؟ ومَن اَسماني وما معنى اِسمي...المرحوم والدي لمّا وُلدتُ واجهَ نفسَ المشكلةِ التي عكّرتْ صفوي هذه الايام..لكن تخطاها ببسالتهِ وأسماني؛ عَرَب.


اِذ ذاك خطرتْ ببالي فكرة. قفزتُ مُسرعاً نحو زوجتي مُنادياً إياها؛ عَيلام..عَيلام...اُمَ فـُلان..أينَ أنتِ..؟ المسكينة زوجتي فزعتْ لِما هالها الهولُ من التصرفِ الغريبِ لي. وكادتْ أن تسقط أرضاً اِثر صيحاتي الهائجة..فقالتْ وهي تلتقطُ أنفاسها صائحة : ماذا حدثَ لكَ يا عَرَب، لقد أفزعتَني في هذا الصباح الباكرِ بصيحاتك؟ فأجبتها مُرتبكاً ومُسرعاً : وجدتُ..وجدتُ...أنتِ اِسمُكِ عَيلام وأنا اِسمي عَرَب..فحتماً نـــُـسمي طفلنا ؛ اَهواز..



 

يوميات صعلوك 14

 

 




الموت



هذا الاسبوع أمضيتهُ في مجالس العزاء. من مجلس اِلى آخر. مرة قريب ومرة بعيد. يموتُ اِنسانٌ ما، ونجتمع بالمئات والآلاف في مَجلسٍ وحول مائدة ونأكل ونهذي. عائلة المتوفى تتألم ولكن مجالسنا معمورة بالحديث وتجديد اللقاءات.


والموتُ حقٌ، لكن مَن ينتبه اِليه يكتئب. قد يكون قوة مناهضة لقوة الحياة. يجرفنا رغم اِرادتنا، كما تجرفنا الحياة. ويبقى الانسان ضعيفاً او بلا اِرادة، يأتي و يذهب وكأنه دُمية، تُحركها الرياح في فضاء الوجود الشاسع و اللاواضح.



كل شئ يبدو تافهاً ساعة الرحيل. لا يوجدُ شئٌ يجدرُ بالتعب. لا مال ولا اَولاد..لا اَميال ولا آمال ولا...وأسوء ما في الموتِ أن ترى ألم الذين يفارقون أعزاءَهم...والسوء الآخر هو أن تشاهدَ عائلة تُتركُ بحاجة الى مَن يمنحها العون والمحبة والظل...لكنه قد رحل متألماً إثر حادثٍ و مرغماً بلا أي خيار...



الآن أدركُ أن الموت والحياة قوتانِ متحاربتان، قوة تمنحكَ المتعة والأمل والأخرى تحقنكَ بالحزنِ واليأس.




يوميات صعلوك 13






 الانسان  



عقله؛ كل الكائنات أبتْ أنْ تحمله غير الانسان. وقد تكون هذه الكائنات هي الارضية فحسب. مع هذا أن الانسان لهو الاطور بينها جميعاً، وله فخر التقدم على كل المستويات الفكرية والادبية والعلمية...


قلبه؛ لا اعتقدُ يوجد شئٌ على وجه الارضِ أفضل من قلبِ الانسان. القلبُ البشري مهبط الوحي الالهي ،ومكانٌ لنفحة الله في الكيان الآدمي. حيث القلب يوجد ،هناك الحب الذي يمسك الانسان بالانسان.


سعادته؛ عندما ينضجان : العقل والقلب ،تولد السعادة. وابرز علامة للنضوج، هو الاعتدال، وعلامة الاعتدال أن لا نضر لا انفسنا ولا الآخر. عند ذاك نحن سعداء. 


شقاءه؛ عندما يختل فينا توازن العقل او القلب ، يولد شقاءنا. نكره فنخاصم، فنحارب الآخرين. نعشق فنفرط في العاطفة ونقترب من الجنون. وفي كلتا الحالتين نضر اَنفسنا والآخرين.

یومیات صعلوك 12





الضمير


هناك أفعال كثيرة نستطيع فعلها. أفعال نخفيها من عين المحاكم والبشر. في خلواتنا نطيع الشر ونلحق بالناسِ أذىً، من أجل الشهرة والمال والتعصب اللانساني.


أغلب الناسِ لا يستطيعون ركوب الشر اِلا في الخلواتِ. في العائلة حيث محجوبون من عيون المجتمع، وفي العمل...عكس القليل جداً من الناسِ وخاصة قديماً عندما كانوا يظلمون ويسفكون الدماء.



لقد وضع اللهُ في بواطننا مرآة صافية شفافة تُرينا ما يبدرُ من فكرٍ ويدٍ لنا. فكلما يناقض مشيئة الله يتبلور قبيحا، وكل ما يُرضية يتبلور جميلا. فاِذا ما فعلنا كل ما أمرنا الشر، وبشتى الدوافع والدواعي، لسوف نصبح نفس الشر..وصرنا قبحاً في قبح.

 


بتعبير آخر؛ أنَّ الله والانسان يجتمعان فينا. والكون مزروعٌ في الضمير. بفعل الجمال تمتلأ المرآة جمالا، ويظهر الله والانسان والكون جميعاً فيها، ونصبح حياة في حياة. والعكس صادق فبفعل القبح، تمتلأ المرآة قبحاً و يغيب الله ويموت الانسان والكون جميعاً فينا...ونصبح عدماً في عدم.




يوميات صعلوك 11

 

 

 

 

سلطة المثقف الاهوازي 

 

 

مِن اَهم أسباب السعادة ؛وجود راعٍ مسؤولٍ كفوءٍ. الفرد الواحد منا هو راعٍ لنفسه. وللعائلةِ الأب اَو الاُم. وللمجتمع الحكومة. والفيلسوف الألماني الكبير هيجل يُعلي من قيمة مُؤسسة الحكومة حتى يصل بها الى درجة التقديس. ولا نريد تقديسها بل نريد التأكيدَ على اَهميتها۰

 

في مثلِ حالةِ الشعب الاهوازي الذي يجد نفسه قليل التمثيل والرعاية عبر السلطةِ المركزية، يصبح بحاجة ماسة الى سلطة المثقفين. وهذه السلطة ليست سلطة أمر ونهي ،ولا هي من أجل الاقتصاد والمعيشة، واِنما هي سلطة معنوية وثقافية وعلميه۰

 

لكن كيف يصبح المثقف الاهوازي ذا سلطة روحية-ثقافية في المجتمع؟ حسب ظني ؛أنَّ المثقف اِذا ما تحكم وتسلط على نفسه ،سيجد سلطته وتأثيره بين الشعب. ومن البديهي اَن هذه المهمة لا تتم اِلا عبر تزكية النفس اولاً ، والتزود بالمعرفة ثانياً۰

 

بعبارة اُخرى ؛ الاخلاق الانسانية العالية والثقافة العصرية الراقية ،هما العُنصران الرئيسان لبلورة سلطة المثقف في الشعب. العبور من الذاتِ الى الآخر بعقلانية ناضجة و وجدانية باسلة، تمد المثقف بقوة معنوية هائلة تؤدي الى خدمة واِحياء الانسان والوطن۰

 

 

 

يوميات صعلوك 10

 

 

 

 

مولد النبي ص 

 

 

اليوم مولد النبي الاكرم (ص)، الانسان القدوة. الانسان الذي اَكثر ما نفع، نفع العربَ. وحد القبائل المتناثرة وصنع منهم اُمة ذات مكانة بين الامم. ثم اليوم الاسلام هو نورٌ وسكينة لملايين من المؤمنين به۰

 

جميلٌ اَن نحتفل بميلاد مؤسس كبيرٍ، مؤسس امتين ؛ العربية والاسلامية. لكن اليوم تعيش الامتان ظروفاً متدنية مؤسفة. فنفرح من باب ولادة اِنسان كبيرٍ لنا...ومن باب نحزن اِذ نرى ذلتنا المقيتة۰

 

كثيرٌ منا يلقي بالقصور واللائمة على الاسلام. والاسلام براءٌ من ذلتنا و تاخرنا. اِنما هي الحضارات تعلو وتهبط. بالامس كانت لنا حضارة عالية وشامخة ،تسود معظم الارض واليوم هي في سبات عميق۰

 

اليوم نعيش التشتت والتعصب والذلة والموت...في كذا اَوضاع لن نتوقع خيراً من اعداءنا...ولا خير فينا اِلا القليل..هذا لاننا مرتبكون غاية الارتباك...حائرون لا نعرف الطريق...الضعف مرض و عيب و خطر. فلا يجب اَن نغض الطرف عن واقعنا۰

 

في هكذا ظروف متردية لا سبيل لنا سوى التفكير باحياء حضارتنا التي سقطت. فلقد صنع النبي الاكرم (ص) قديماً ،امة العرب والاسلام بالسيف والكتاب. يعني بالقوة من جانب، وبالايمان والاخلاق والعلم من جانبٍ آخر. ومن البديهي أن اليوم لا قوة لنا. فلنلجأ الى الكتاب وما فيه من ايمان واخلاق وعلم...وننبذ العنف والتعصب والجهل...حتى نسترجع مجدنا ونحيي حضارتنا۰

 

 

 

يوميات صعلوك 9

 

 

كتاب البخلاء

 

الشئ الوحيد الذي لا يجيده العرب اَصلا هو الاقتصاد. هناك اسباب كثيرة تجعل من العربي غير مقتصدٍ في امور حياته المادية. من ضمن الاسباب التي تؤثر على سلوك العربي الاقتصادي ،هي قيمة الكرم..فالعرب يتفاخرون بمن يكرم ،ومن لا يكرم فهو مذموم ودون اِحترام0

 

ومن اَهم ما يميز العرب عن غير العرب وبالخصوص اليهود، والتـــُسترية، ميزة الكرم او الاقتصاد. فاليهود من زمن قديم كانوا يمتهنون التجارة ،فهم دقيقون في المحاسبات الاقتصادية جداً..كذلك التسترية ،فقد ضربوا مثالا رفيعاً في البُخلِ والامساك۰

 

رغم هذا الواقع المنافي للاقتصاد لدى العرب، هناك حالات استثنائية..تجعل المرء يضع يده على بطنه ويضحك. ولقد جَمعَ الكاتب العربي الكبير الجاحظ عينات كثيرة جِداً في كتابٍ اَسماهُ ؛البخلاء..ومن حيث الادب فان كتاب البخلاء من اجود وامتع وابدع الكتب في الادب العربي۰

 

مرات افتحُ الكتاب واقرءُ فيه لاستفيد منه ،واتعلم كيف ادخر مالا واقتصد في امور حياتي المالية، لكن بدل هذا الهدف (السامي) ،اَنسى الدنيا وما فيها من مشاكلَ مادية واغرق في الضحك0

 

وفي الحقيقة استغرب من فنون البُخل وكثرة البخلاء في هذا الكتاب...بحيث اكاد لا اصدق...ان هناك ناساً يأكلون النخالة و الفضالة ويشربون الماء الاجاج...ولا ينتعلون غير الانعلة المرقعة او لا يرتدون شيئاً اَصلا..ولا ننسى ان البخل كان يشتدُ في الشتاء الى درجة قصوى0

 

انه ليس اقتصاداً بل عذابٌ في عذاب في ۰۰

 

 

يوميات صعلوك 8

 

 

 

 

الخمر والامر

 

 

طالما صوَّرتُ الحياةَ في صورتين؛ ميدان حربٍ اَو ملعب. إما أن تُحارب بلا هَوادةٍ ولا تراجع، وإما تلعب وتمرح دونما غمٍ ولا هم. بعض المرات تتناقض الصورتان في مخيلتي واَرتبك، هل هذا أوان الحرب أم اللعب؟ والاشد من هذا عدم قدرتي على ركوب صورة من الصورتين۰

 

نفس الصورتين نجدهما لدى شاعر العرب الجاهلي الكبير اِمرء القيس، لمَّا قال بيته الشهير؛ لا صحوٌ اليوم ولا سكرٌ غداً، اليومَ خمرٌ و غداً امرُ. وبناءاً على هذا أنَّ الحياة سيرورة للامام؛ فترة تسير وفترة تستريح۰

 

بعبارة اُخرى أن ما بين الحالتين لا يجب أن يُوجد شئٌ من حزنٍ او كآبة او تراجع وماشابه...لكن في بعض الاحيان تفلتُ الامور من سيطرةِ المرء، فيغدو في حالةٍ لا هي خمرٌ (تنفس) ولا هي امرٌ(جِد)، بل كل روحه تمتلأ بالكآبة۰

 

وهناك حالة رابعة نعوذُ باللهِ منها، وهي ليست بخمر ولا اَمر ولا كآبة وحزن، بل ضياع في ضياع. نأكل و نشرب وننام، لكن لا نشعرُ بما نقوم بها من أفعال ،أنه الموت الذي يرتدي لبوس الحياة۰ 

 

 

  اشكر الاخ احمد العزيز على ملاحظاته القيمة.......شكرا جزيلا*

يوميات صعلوك 7

 

 

 

 

الحياة عابرة

 

 

طالما كنتُ اِيجابياً..فمنذُ ما غيرتُ نهجي الى التفائل صرتُ اَحب الحياةَ اَكثر. واّصمدُ امامَ الملماتِ والآلام والاحزان..واَنظر الى البعيد والابعد..من علامات هذا التفائل هو التغني بالمرأة، لقد تجلى حبي للحياةِ في الغزل...وصارت المرأة رمز الحياة0

 

في الادب ،وخاصة المعاصر نجد الكثيرَ من النواحين البكائين والشتامين اللعانين للحياة والانسان والوجودِ بشكلٍ عام. وقد اَسميتُ هذا الادبَ ذاتَ مقالٍ بالادب الاسود. من اَبرز هؤلاء السوداويين الكاتب الروسي الشهير داستايوفسكي...وتستحضرني روايته "الانسان الصرصور" التي تلقاها مساحة من التعبيرات غير الادبية، كذلك الكاتب الفرانسي الحائز على جائزة نوبل آلبر كامو...والايراني صادق هدايت0

 

أفتحُ اول صفحةٍ لديوان سقط الزند للشاعر العربي الكبير ابي علاء المعري واقرء ؛ غيرُ مجدٍ في مِلتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنم شادِ. وشبيه صوت النعي اذا قيس بصوت البشير في كل نادِ...اَنها سوداوية ايضاً، لا ترى فرقاً بين حزن و فرح...نعم المعري كان سوداويَّ الرؤيةِ لكنه صمد صموداً مُشرفاً واَنتج وقدم للعرب والانسانية ادباً عظيماً۰

 

اِذن الحياة لا تخلو من اللون الاسود...لكن المهم اَنها سوف تعبر وتنتهي مهما تكون فيها من الوان غير مُريحة. والاهم من اِنقضاءها ،مقاومتها او مُحاربة سوداها بقصد جعله ابيض0

 

اَقرء السوداويين واَضحك. لا شماتة بهم ابداً بل هي ضحكة عبرة ودرس. لقد سار القطار وانتهى بهم الى محطة الموت. فلا عمى المعري بقى، ولا صرع داستايوفسكي...ولا اضطراب هدايت النفسي...فحمداً للموت الذي يمحو سواد الحياة...وصدق المعري اذ قال :ضجعة الموتِ رقدةٌ يستريح الجسم فيها والعيشُ مثل السهادِ۰۰

 

 

 

يوميات صعلوك 6

 

 

 

 

ريحانة بني خالد

 

 

 

اِقتربتْ من النهر كثيراً

كانَ زُلالا الماء

وكان الطوقُ من ذهبٍ اَبيض

رأتْ بَدراً مُباشراً تحتَ عينيها

واِبتسمتْ...جميلا

مَرتْ سمكة حمراء

وموجة زرقاء

جَفلتْ...اِنفتحا جناحاها

وردةً في صباح

وغفلةً

طارتْ

فظلَّ النهرُ مضطرباً

وظلتْ نظراتٌ والسماء

 

 

 

يوميات صعلوك 5

 

 

 

الديمقراطية

 

 

اَننا نعيشُ مرحلة جديدة وخطرة للغاية. لقد دخلت منطقتنا في تاريخ التكثر بالنزعات والنزاعات الى حدٍ كبير. فهناك شعوب تنازع اَنظمة، وأنظمة تخاصم أنظمة وهناك شعوب تحارب شعوبا، و اَديان تعادي اَديانا، ومذاهب تتصارع مع اُخرى۰۰

 

الزمن هو زمن الصراعات من اعلى الى ادنى الدرجات...من صراع الحضارت (الاسلام والغرب) الى صراع الاحياء(جبل محسن وباب التبانة) والحارات، الكل يقول الحق لي وأنا المظلوم والمعرض للمؤامرة والابادة والفناء۰۰

 

في مثل هذه الاوضاع لا ينفعنا نافعٌ أكثر من ثقافة ونظام ديمقراطيين. والديمقراطية تقول الحق للكل، والحكم للاكثرية. في دولة الديمقراطية وقانون الانسان؛ لايجب أن يُظلم اَحدٌ بسبب وآخر..ومن يُظلم فحقه مضمونٌ رسمياً...نعم الديمقراطية دواءنا الانجع لكن في نفس الوقت هو الاصعب والابعد...لان غيابه هو الذي قادنا الى كذا ظروفٍ متردية۰۰

 

 

 

يوميات صعلوك 4

 

 

الغيرة

 

قبل 20 عاماً حدث أن قتل اخٌ اُخته في الاهواز. حكى لي القصة زميلي في العمل. لكن لماذا اَخٌ يحشو جسد اخته بالرصاص ليرديها قتيلة كعدوٍ يهلك عدوه؟

هكذا يعتقد زميلي باَن الاخ كان قد عشق اُخته عشقاً جماً، فلم يشأ أن تغادر الاخت منزلهم. ومانعَ زواجها كثيراً ولم ينجح في ثني اُخته عن الزواج0

فكانت ليلة الزفة ، ليلة القتل على يدِ الاخ الغيور الذي كان يدعي حب اُخته...واَكيد انه ليس حباً بل اشرس خصومة مدفوعة بعاطفة ابتدائية لا غير0

 

 

 

يوميات صعلوك 3

 

 

 

 

الاستاذ محمد حزبائي زادة

 

 

قبل سنوات كان الاستاذ محمد حزبائي زادة ،كاتباً صحفياً بارعاً، قلما شهدت الاوساطُ الصحفيةُ الاهوازية قلماً مُحللا في السياسة مثله. كنتُ يومياً اَهرعُ الى اكشاك الجرائد لابتاع جريدة "همساية ها" لأنغض على الافتاحية قراءةً و تأملا و تلمُذاً. لقد كنتُ احصل عبر افتتاحية الاستاذ محمد حزبائي زادة على الحكمة و المرونة والتحليل السياسي و00

 

في التفجيرات التي طالت مدينة الاهواز ...كتب تقريراً بقلم هادئ و معتدل لماجرى في المدينة، وبالطبع هذا ديدن الاستاذ حزبائي زادة و طاقمه الصحفي، فكان ولم يزل يكتب بعيداً عن الاحاسيس الهائجة السطحية...لكن التقرير لم يكن ينال رغبة جهاتٍ ما00

خسر الاستاذ حزبائي جريدته التي اَخذت مكانة صحافية واسعة بين ابناء الشعب، هكذا خسر رأس ماله و اتعابه لسنواتٍ عدة. وبناءاً على ما شاهد الكثيرون اُستُنتج اَن العملية كانت ذات ابعاد اقتصادية ، بعبارة اَن السوق التي حصل عليها الاستاذ كانت لابد ان تُسترجع لجرائد اُخرى00

قبل مدة غير بعيدة قرأتُ للاستاذ مقالا في حب الضفادع... وهو في الواقع مقال ادبي مشاعري، غاية في الروعة والابداع...قرأناه و استمتعنا كثيراً...وقد شاهدت اَن مواقع معروفة ايضاً نشرته...ثم ردف الكاتب العزيز ذلك المقال ،بمقال آخر من نفس التصنيف وهو في حب الشاة والماعز...وهذا ايضا له اوجه ادبية مشاعرية جيدة00

لكن لماذا استاذنا صاحب الافتتاحيات المهتمة بشؤون الشعب الماسة والضرورية جداً...نسيَ قضايانا الاولى، وصار يكتب عن مواضيع بعيدة كل البعد عما يهم الناس جداً...؟! سؤالٌ وجيهٌ لكن لا نريد الانتقاص ابداً من خدمة وحنكة وعلم الاستاذ حزبائي زادة، واِنما نقول؛ ايُ واحدٍ منا كان قد تعرض لما تعرض له الاستاذ...لَـشرع بالكتابة عن الضفادع والمواعز والنعاج ...وما هو اقل شأناً منها...فلا لوم عليه ابداً...ابدا